| السادة أعضاء مجتمع التحكيم،
السادة المتعاملين مع مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي،
أخاطبكم اليوم بكلمات يختلط فيها الامتنان بالاعتزاز، ويقترن فيها التأمل بالثقة، وأنا أستحضر مسيرة مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، وما يمثله من قيمة راسخة في العمل القانوني المؤسسي، وحاضرٍ متينٍ يفتح آفاق مستقبل واعد.
واليوم، ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥ ، أكون قد أتممت مسيرتي مديرًا لهذا الصرح العريق. وقد كان لي، بحق، شرف عظيم وامتياز صادق أن أُسهم في خدمة هذه المؤسسة لمدة ٩ سنوات ، وأن أعمل جنبًا إلى جنب مع مجتمع مهني اتّسم بالنزاهة، والتفاني، والالتزام بأعلى معايير المهنية، وهي القيم التي شكّلت الأساس الحقيقي لما حققه المركز من إنجازات.
ويطيب لي، في المقام الأول، أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى جميع أفراد أسرة المركز — فريق العمل المتفاني، وأعضاء مجلس المحافظين، وأعضاء اللجنة الاستشارية، والمحكّمين، وأطراف القضايا، وشركاء المركز — لما أبدوه من دعم ثابت وثقة راسخة وإيمان بدور المركز. لقد كان لهذا التكاتف أثره العميق في تمكين المركز من أن ينمو، وأن يرسّخ مكانته، وأن يثبت حضوره كمؤسسة يعتمد عليها في مجال تسوية المنازعات. فجميع ما نحتفي به اليوم من نجاحات هو ثمرة جهد جماعي، وقيم مشتركة، وسعي دؤوب نحو التميّز.
يمثّل عام ٢٠٢٥ محطة مفصلية في تاريخ المركز، إذ شهد تحقيق رقم قياسي غير مسبوق في عدد القضايا المسجّلة إلى جانب تطورات مؤسسية بالغة الأهمية. فقد تم خلال هذا العام تسجيل ٩٧ قضية جديدة، متجاوزًا بذلك الرقم القياسي السابق المسجّل في عام ٢٠١٦ والبالغ ٩١ قضية، ويضاف إلي ذلك وللمرة الأولى إجراءات محكم الطوارئ. ومن بين هذه القضايا، ثمة ٢٩ قضية تضم أطرافا غير مصرية، بما يمثل ٣٠ % من إجمالي القضايا، وشارك فيها أطراف من مجموعة واسعة من الدول، من بينها النمسا، وكندا، وجزر كايمان، والصين، وقبرص، وفرنسا، وألمانيا، والهند، وإيطاليا، وهولندا، ونيجيريا، وباكستان، والمملكة العربية السعودية، وإسبانيا، والسودان، وتونس، وتركيا، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية.
وعكست القضايا المسجّلة خلال عام ٢٠٢٥ طابعًا دوليًا متناميًا، إذ شملت عددًا كبيرًا من الأطراف غير المصرية، واتخذت مقارّ التحكيم مواقع خارج القاهرة، بما في ذلك نيويورك وأبوظبي، كما خضعت هذه القضايا لقوانين واجبة التطبيق لم تقتصر على القانون المصري فحسب، بل شملت كذلك القانون الإنجليزي والقانون السويسري والقانون السوداني. ومع تسجيل هذه القضايا الجديدة، بلغ إجمالي عدد القضايا المعروضة على المركز منذ تأسيسه ١٨٤٤ قضية، بما يعكس النمو المستدام للمركز والثقة المتزايدة التي يوليها له المستخدمون على الصعيد الدولي. كما شهد العام ذاته تطورًا تنظيميًا مهمًا تمثّل في إصدار الممارسات التطبيقية لقواعد التحكيم الصادرة عن المركز عام ٢٠٢٤ بتاريخ ٢٢ ديسمبر٢٠٢٥.
ومن بين المحطات المضيئة التي شهدها هذا العام، أذكر باعتزاز اختيار قواعد التحكيم الصادرة عن المركز لتكون الإطار الإجرائي للدورة الخامسة والثلاثين من مسابقة فيس الدولية للتحكيم التجاري، المقرر عقدها في فيينا عام ٢٠٢٨، وهو اختيار يجسّد تقدير المجتمع الدولي لهذه القواعد باعتبارها معبّرة عن أفضل الممارسات المعاصرة في مجال التحكيم الدولي.
كما يمثّل حصول المركز على صفة مؤسسة تحكيم دائمة في روسيا إضافة نوعية إلى مسيرته، تعزّز من حضوره الدولي، وتوسّع من نطاق الثقة به كمؤسسة تتسم بالكفاءة والحياد والاستقلال في إدارة النازعات. وعلى المستوى الشخصي، لقد شرفت بالحصول على وسام الصداقة من الحكومة الصينية والذي يعكس ثقة الأطراف الصينية في الدور الرائد الذي يلعبه المركز في تحسين مناخ الاستثمار عبر الحدود من خلال الإدارة المحايدة والفعالة للقضايا التحكيمية والوسائل البديلة لحسم المنازعات.
ومع ذلك، فإن القيمة الأسمى التي حافظ عليها المركز، وكانت جوهر مسيرته، تتمثل في التزامه الثابت بمبادئ الحياد والاستقلال والنزاهة المؤسسية. وقد تحقق هذا الالتزام بفضل كفاءة نائب المدير وفريق مهني رفيع المستوى في إدارة القضايا، عُرف بالكفاءة والمهنية، وبفضل لجنة استشارية ضمّت قامات قانونية مشهودًا لها بالخبرة والحكمة وحسن الرأي.
ومع اكتمال مسيرتي مديرًا للمركز، أغادر هذا الموقع بطمأنينة وثقة، ويسعدني أن أقدّم خليفتي، الدكتورة داليا حسين، التي تتولى إدارة المركز اعتبارًا من يوم ١ يناير ٢٠٢٦ لتصبح بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب منذ تأسيسه. وتتمتع الدكتورة داليا حسين – والتي شغلت بكفاءة منصب نائب المدير لمدة ٩ سنوات – بكفاءة راسخة ونزاهة مهنية ورؤية مؤسسية واعية، وأنا على يقين بأن المركز سيواصل، خلال فترة تولّيها مهامها، البناء على ما تحقق وترسيخ مكانته وفق أرقى المعايير الدولية.
وأتوجّه بدعوة صادقة إلى مستخدمي المركز وأعضاء مجتمع التحكيم – من شركاء مسيرة وأصدقاء – إلى مواصلة دعم المركز، والعمل معه، والمشاركة الفاعلة في تطوير دوره، بما يخدم رسالته ويصون مكانته.
ومع إطلالة عام جديد، أتقدّم إليكم وإلى عائلاتكم باخلص التمنيات بعام يفيض بالصحة والسلام وتجدد العزم. عسى أن يحمل عام ٢٠٢٦ مزيدًا من التعاون المثمر والإنجازات المشتركة، وأن يكون امتدادًا لمسيرة مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي وهو يواصل خلالها مسيرته بثبات واتزان.
مع خالص تحياتي
د. إسماعيل سليم |